المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثمة نصوص شعرية عالية المستوى في منطقة الخليج العربي.


][ AL-KING ][
12-25-2007, 05:23 AM
ثمة نصوص شعرية عالية المستوى في منطقة الخليج العربي



مع جريدة «الرياض»

دمشق - ابراهيم حاج عبدي
من الصعوبة بمكان اختزال التجربة والنقدية والأكاديمية للشاعر السوري د.عابد إسماعيل في حوار صحفي، فهو «مفرد بصيغة الجمع» إذا جاز الوصف، ولئن تعددت اهتماماته ومشاغله إلا ان هذا التعدد والتنوع يفصحان عن شخص نجح في ضبط الإيقاع الذي يجعل من الشعر والنقد والترجمة والتدريس والإعلام موسيقا متناغمة ومنسجمة تخدم، كما يعلن صراحة، وبثقة، تجربته الكتابية، إذ يشعر بأنه، وفي المقام الأول، شاعر.
درس الأدب الإنكليزي في جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعرف على النظريات الأدبية الغربية، فعرف مدى أهميتها، لكنه وبنفس المقدار التفت إلى التراث الأدبي العربي، فهو يرى بان على الأديب العربي ان يجمع في تجربته الإبداعية بين الحداثة والكلاسيك، ذلك انه يعارض تلك الآراء الراديكالية التي تدعو إلى قطيعة معرفية مع التراث أو تلك التي تدعو إلى تجاهل النظريات الغربية. هو يقف في الوسط ويرى ضرورة الاستفادة من التراث الإبداعي والنقدي العالمي شرقا وغربا ومن ثم الشروع في الكتابة.

أصدر أربعة دواوين شعرية هي: «طواف الآفل»، «باتجاه متاه آخر»، «لن أكلم العاصفة»، «ساعة رمل»، كما ترجم عدة كتب قيمة منها: «قلق التأثر»، و«خريطة للقراءة الضالة»، وهما من تأليف الناقد الأمريكي هارولد بلوم، «نظرية لا نقدية» لكريستوفر نوريس، «سبع ليال» لبورخيس، وكذلك كتاب «بورخيس: يوم عادي في بيونس آيرس» وهو عبارة عن مذكرات بورخيس كتبها ويليس بارنستون، «الحادي عشر من أيلول» لنعوم تشومسكي، «نصف حياة» لنايبول، «ادفنوني واقفا» لإيزابيل فونسيكا، «ساعة حياة» لويليس بارنستون، و«فن الكتابة تعاليم الشعراء الصينين»...وغيرها

عابد إسماعيل شاعر هادئ دون صخب، يعمل بدأب واجتهاد، وفي الحوار معه لا تشعر بأنك تنجز عملا صحفيا وظيفيا، وإنما تتمنى لو يطول الحوار فهو يصيغ إجابة رصينة، ويمنح محاوره أفكارا نقدية صقلتها الخبرة والتجربة، وبذلك فهو يحول الحوار إلى جلسة ممتعة ومفيدة. فيما يلي نص الحوار:

كيف أصبحت شاعرا، كيف كانت البدايات؟

* من الصعب أن أحدد لك البدايات، ربما هناك كتاب قرأته مصادفة، ربما هناك نص شعري معين ترك أثرا عميقا في نفسي، لكن في الحقيقة لا يمكن تحديد البدايات بصورة دقيقة، ومع ذلك يمكن القول بأنني بدأت الكتابة في السنوات الأولى عندما كنت متميزا في كتابة المواضيع الأدبية في المراحل الدراسية الأولى. من هنا انطلقت في اهتمامي بالأدب وبالصورة الشعرية. وكما تعلم فان كل البدايات تنطلق من نصوص بسيطة وواضحة وشفافة كما هي الحال بالنسبة لنصوص نزار قباني التي تأثرت بها، ولعبت دورا كبيرا في شحن المخيلة ومن ثم كان النص الادونيسي. أتذكر إنني بدأت انسج على منوال قصائد نزار قباني إيقاعيا وعروضيا ربما لكي امتلك ناصية القافية والوزن، ولكن عندما اكتشفت أدونيس بدأت اخرج من قصيدة الوزن والتفعيلة، وابحث عن نمط آخر في الكتابة في قصيدة أدونيس وخاصة ديوانه «مفرد بصيغة الجمع» الذي ازعم بأنه كان الأكثر تأثيرا على حساسيتي في البدايات.

نزار قباني وأدونيس على طرفي نقيض، كيف وفقت بينهما؟

*ربما هذا التنوع والتناقض والاختلاف الموجود بين الشاعرين هو الذي شدني إليهما، ولكن اسمح لي ان أقول انهما ليسا مختلفين إلى هذا الحد، فأنا ازعم ان نص أدونيس سهل المنال ويمنح نفسه بسهولة للقارئ. نص أدونيس كلاسيكي مثل نص نزار قباني. الفرق بينهما هو ان مادة أدونيس هي الأفكار، في حين ان مادة قباني، إذا صح التعبير، هي الجسد، المرأة، الحياة، التفاصيل الحسية. إذا كلاهما يشتغل في منطقة مألوفة يمكن للقارئ ان يتنبأ بها.

لا اعتقد ان نص نزار يمثل الوضوح، ونص أدونيس يمثل الغموض، أنا اعتقد ان كليهما ينطلق من مرتكزات كلاسيكية، واعتقد ان الحداثة، بمعنى التجريب الراديكالي ونسف النماذج الكلاسيكية المألوفة، وجدت طريقها إلى قصيدة النثر التي كتبها جيل الثمانينات والتسعينات، وليس مع أدونيس وقباني أو حتى الماغوط. يمكن ان يفاجئك هذا الرأي لذلك أضيف ربما كانت بذور الحداثة قد انطلقت مع هؤلاء لكن إذا أمعنا النظر في نص الماغوط لرأينا انه يقوم على ثيمة واضحة وهي الحزن والكآبة. إذاً هي قصيدة وجدانية رومانسية لا يوجد فيها تجريب على صعيد البنية أو المضمون، كذلك الأمر بالنسبة لقصيدة قباني لا يوجد فيها تجريب. أيضا أدونيس، رغم كل اللعب البلاغي في قصيدته والسمعة التي حيكت حوله كأحد رموز الحداثة العربية، اعتقد انه كان كلاسيكيا في حداثته اكثر منه حداثيا في كلاسيكيته.

هل تريد أن تقول بان جيل الثمانينات والتسعينات هم الذين حملوا لواء الحداثة؟

*هم الذين أوصلوا تجربة الحداثة إلى نضج ما. هي لم تنضج بعد في عالمنا العربي على غرار التجارب الغربية في الشعر الفرنسي أو الإنكليزي على سبيل المثال، لكن أقول هناك من وضع حجر الأساس وهم الرواد: قباني، بدر شاكر السياب، أدونيس، نازك الملائكة، الماغوط، وربما سعدي يوسف الذي لعب دورا كبيرا وهو يعد الملهم الأقوى لشعراء قصيدة النثر وقد برز منهم، على سبيل المثال، امجد ناصر الذي أوصل قصيدة النثر إلى مستوى من الرقي والعمق نستطيع من خلاله تبين حضور الأسلوب الحداثي الذي لم يتبلور بعد، لكن نصوص هؤلاء الشعراء، شعراء النثر، أصبحت اكثر انفتاحا على الوجود. كانت القصيدة تدور حول ذات الشاعر، وبالتالي كانت إعادة إنتاج للخطاب الرومانسي حيث الذات هي المركز، لكن مع شاعر مثل امجد ناصر أصبحت القصيدة تتحدث عن العالم، وعن ذوبان الذات في العالم، وعن التناقضات الموجودة في العالم، وهو ما لم يكن موجودا في قصائد الرواد.

أنت تركز في مسألة الحداثة الشعرية على المضامين لكن ثمة من يعطي الأولوية، في القصيدة الحداثية، للشكل، بمعنى يحكم على حداثة القصيدة عبر تراكيبها وأسلوبها وبنيتها؟

*هذا رأي، ولكن هناك من يقول ان الحداثة بدأت مع إعلان الفيلسوف نيتشه «موت الحقيقة»، الحقيقة تعني الذات أيضا، الذات تنسحب وتفسح المجال لحضور العالم، وهذه نقلة نوعية في تاريخ الفكر الإنساني. وفي العموم لا يمكن فصل المضمون عن الشكل في مسألة الحداثة، ذلك أن الحداثة هي رؤية كلية يشترك فيها الشكل والمضمون معا. هما لا ينفصلان على الإطلاق.

بأية هواجس تكتب وتدون؟ ما هي المشاعر التي تنتابك وأنت تقف أمام الورقة البيضاء وتشرع في كتابة قصيدة جديدة؟

* كثيرون يحبون التحدث عن هذه الرهبة تجاه البياض الذي تمثله ورقة الكتابة، أنا ليس لدي أوهام في هذا المجال، خصوصا وأننا نستخدم الآن شاشة الكومبيوتر. ليست لدي طقوس خاصة في البدء بكتابة قصيدة. ربما يبدأ النص بكلمة، أنا أحيانا انسج قصيدة كاملة حول كلمة تتناسل منها أبيات القصيدة. لا أقول بان القصيدة هي لعب لغوي محض وصرف ما اقصده ان القصيدة قد تبدأ مصادفة دون تفكير أو عناء. كذلك لا أؤمن بفكرة الإلهام. لا يوجد هناك إلهام في الشعر، بل، وحسب ما أرى، هناك لحظة مجهولة تنبثق وتنبجس فيها فكرة القصيدة، وقد تكون هذه الفكرة كلمة أو عبارة أو جملة.

أليس هذا نوعا من الإلهام؟

* لا! سمهِ ما شئت، لكن ليس ذلك الإلهام الذي يتحدث عنه الكتاب والمرتبط بقوة غيبية لا يمكن تفسيرها. تلح عليك فكرة وهذا لا يعني شيئا، فالأفكار تلح على كل الناس. المسألة هي كيف تتعامل مع هذه الفكرة فيما بعد؟ كيف تترجمها شعرا؟ كيف تبدأ بالكتابة وإعادة الكتابة والحذف والانتقاء واختيار المفردات المناسبة وهكذا.

هناك من يقول بان الشعر يأتي عفويا دون تدخل الشاعر وأنت تراه، بحسب إجابتك، صنعة؟

* إلى حد كبير الشعر هو صنعة، وهو موهبة دون شك، ولكن أيضا ثقافة. الموهبة والثقافة تتضافران معا لإنتاج نص جديد. لا يمكن لك ان تهمل الدربة أو تغيّب الصنعة. كيف يتأتى لك موهبة الصنعة في الأساس؟ يتأتى بالثقافة. يجب ان تكون موهوبا. لكن كيف يمكن لنا أن نعرِّف الموهبة؟ هذا سؤال كبير وإجابته ليست سهلة. أنا مدرك ان اجتماع الموهبة والثقافة ضروري لكتابة نص جيد وقادر على ان يدهش.

هذا النص المدهش الذي تتحدث عنه ما الذي يستطيع أن يفعله في ظل هذه القيم الاستهلاكية وهيمنة ثقافة الصورة؟

*يصبح دوره أهم بكثير، فالفن كلما هوجم وحوصر كلما ازداد أهمية. هل تستطيع ان تدعو إلى عدم سماع الموسيقا لأن أصوات المدافع والتفجيرات والصراعات السياسية أعلى؟ بالعكس، في ظل هذا الواقع يصبح الفن اكثر ضرورة في إنقاذ هذه الروح المحاصرة المهددة، وأنا لست طهرانيا إلى هذا الحد بل اعتقد ان النص الأدبي يجب عليه أيضا ان يعكس ضجيج العالم ولم لا؟ يجب ان يحول هذا الضجيج إلى موسيقا أخرى، موسيقا روحانية. إذاً النص الأدبي، بل الفن عموما سيبقى يمثل خلاص الكائن الإنساني على هذه الأرض. لا نستطيع ان نعيش بدون موسيقا أو غناء أو شعر أو مسرح أو لوحة...

ثمة رأي نقدي لجابر عصفور يقول بان زمن الشعر قد انتهى ونحن نعيش زمن الرواية، كيف ترد؟

* دائما أقول: حين يعلن أحدنا ان الشعر قد مات، فهو يعلن ولادته أيضا، فجملة «مات الشعر» هي جملة شعرية. إذأ أنت تعلن موت الشعر بجملة شعرية، لذلك اعتقد ان الشعر لا يمكن ان يموت، ربما يشهد انحسارا، ربما انسحب قليلا أمام الفنون البصرية الأكثر جاذبية وهذا ليس شيئا سلبيا، أنا احب هذا التقدم التكنولوجي ولا أخاف منه.لا أخشى على القصيدة من الإنترنت. قد يكون جابر عصفور محقا في اعتبار الرواية فنا رائجا هذه الأيام وشاملا يمكنه ان يحضن الفكر والفلسفة والشعر والسياسة والفكر...لكن هذا لا يعني ان ذلك يكون على حساب نوع أدبي آخر، اعتقد ان الأنواع الأدبية ستظل في حالة حوار، ولن يستطيع نوع أدبي ان ينتصر على آخر لأننا لسنا في ساحة معركة، نحن على رقعة تتجاور فيها الأضداد وتتعايش، ولولا ذلك لما كان هناك تصنيف للأدب، لا بد من وجود هذه الأنواع الأدبية (الشعر، القصة القصيرة، الرواية، النص المسرحي...) لكي يستمر الأدب ويستمر الإنسان.

كيف تنظر إلى الخارطة الشعرية السورية الراهنة؟

* أنا أستطيع ان أتحدث عن جيل التسعينات الذي انتمي إليه فأقول بان المشهد غائم، رجراج وزئبقي. توجد تجارب فردية هامة لكننا لا نستطيع ان نتحدث عن تيارات شعرية متبلورة، وازعم ان الكثير من مواضيع الشعر التي تطرق إليها الرواد ما تزال قائمة وحاضرة في نصوص جيل التسعين. لست متشائما، بل أرى إنها مرحلة مخاض تتبلور فيها تجارب جديدة وأساليب جديدة، لكن المشهد مكفهر بصورة عامة.

الشعراء الشباب، وأنت واحد منهم، يشكون دائما من سطوة الرواد. لماذا؟

* لان الصراع كما يقول الناقد الأمريكي المعروف هارولد بلوم هو جوهر العلاقة بين الخلف والسلف، بين جيل الآباء والرواد وبين الأبناء. هي علاقة أوديبية صراعية صحيحة. نشكو منهم لان معظمهم حملته أحزاب وأيديولوجيات واستمروا في عالم غابت فيه القيم وانقلبت كل الأحلام الطوباوية السياسية. احب ان اصف هذا الجيل بأنهم ورثة خيبات متواصلة، مع ذلك اعتقد ان التواصل مع جيل الرواد ضروري جدا. لا أدعو إلى قطيعة معهم أو «قتلهم» بالمعنى الأدبي، ولكن أدعو إلى الانفصال عنهم بشكل أو بآخر مع الاستفادة من تجربتهم.

الشكوى التي قصدتها في سؤالي هو تذمر الأجيال اللاحقة من استمرار تكريس أسماء الرواد في المشهد الإبداعي، وتجاهل التجارب الجديدة الشابة؟

*أخشى ان أقول ان ذلك يكاد يكون متأصلا في شخصية الكاتب والمثقف العربي. ربما هي إعادة إنتاج لآلية الإلغاء التي يمارسها الديكتاتور السياسي وهذا مؤسف ولا يوجد له مثيل في أي ثقافة أخرى إذ لا يمكن أن تغلق الباب وراءك وتقول: ليس بالإمكان افضل مما كان. أنا أؤمن بالتواصل بين الأجيال، لا أؤمن بالتناحر إلا إذا كان صراعا أوديبيا يبحث فيه الجيل الجديد عن فسحة إبداعية لنفسه، ولكن أتحدث عن آلية إلغاء متعمدة لجيل بكامله على اعتبار ان هذا الجيل يمثل الانحلال، يمثل الفوضى...وهذا خطأ كبير، فإغلاق الباب أمام التجارب الشابة، وإلغاء الجيل الجديد وعدم الاعتراف به هو استمرار لما اسماه الناقد السعودي المجتهد عبد الله الغذامي ب «الانساق الفحولية المضمرة في الثقافة العربية». ينبغي تكريس ثقافة الحوار، فالشعراء الجدد أو جيل الأبناء يبحث دائما عن فسحة لنفسه، كيف يمكن ان يجترح لنفسه هذه الفسحة إلا من خلال صراعه الأوديبي مع النصوص العملاقة، كيف يمكنني ان اكتب نصا جديدا إن لم أتصارع مع نص أدونيس ومحمود درويش ونزار قباني ومحمد الماغوط...لكن شريطة ألا يتحول هؤلاء إلى عقبة في وجه المحاولات الجادة والجديدة.

كيف يوفق عابد إسماعيل بين اهتماماته ومشاغله المختلفة: كتابة الشعر والنقد، الترجمة، التدريس في الجامعة، مذيع أخبار في التلفزيون ؟

* لا أقول بأنني «مايسترو» وأستطيع ان أجد حالة من التناغم بين كل هذه الاهتمامات، ليس الأمر بهذا الشكل. اعتقد أنني بالدرجة الأولى شاعر. شخصيتي الأساسية، كياني الوجداني والفكري والعقلي ينحصر في هذا الهاجس، هاجس الكتابة، ولأنني كاتب وولدت، ربما، احمل هذا الهوس، سمحت لنفسي بان أتعدد لا ان اتأطر، لا يمكن ان تؤطرني الجامعة، أو الإعلام أو الترجمة. ثق تمام الثقة ان هذه الحقول التي تبدو متناقضة هي ضرورية جدا لإعطاء المخيلة أوكسجين جديدا، يعني لا يمكن ان تقتصر على الأدب فقط لكي تصبح أديبا، يجب ان تنفتح على اختصاصات مختلفة، تسألني كيف أوفق، فأقول اشعر بمتعة في الترجمة، وبمتعة في العمل الإعلامي رغم انك دائما تتعاطى مع صراعات وكوارث وعالم متفجر، والتدريس كذلك، وكما تعلم، هو مهنة ولكن أيضا لها متعة.

هل تخدم هذه الحقول تجربتك الكتابية، هل توظف هذه الخبرات في رفد الهاجس الإبداعي؟

*من أين يأتي الكاتب بالخبرة والتجربة؟ كيف له ان يتنوع ويبحث عن مواضيع جديدة؟ ليس، بالطبع، بإغلاق الباب على نفسه. أنا أستفيد من الترجمة، ومن الإعلام واشعر بأنني استفيد من علاقتي بالطلبة في الجامعة، هذا الجيل الجديد الذي اقرأ في عيونه هواجس وأفكارا هامة، ودائما اشعر بان الصوت الجديد يستحق الإصغاء، ناهيك عن ان التدريس يعطي للتجربة رصانة ضرورية. أنا لا أؤمن كثيرا بهذه الفوضى المجانية، والتجريب المجاني وترك الحبل على الغارب. الأكاديميا تعقلن حساسية الكاتب، تطلعه على نظريات أدبية، على أفكار جديدة ولا أجد في ذلك تناقضا مع كوني شاعرا.

هل تشعر، لدى ترجمتك لكتاب ما، بان هذه الترجمة تخون النص الأصلي؟

* أنا، وجوابا على هذا السؤال، اتفق مع الكاتب الألماني وولتر بنيامين الذي يقول ان خيانة النص في الترجمة هي في حقيقة الأمر إعطاء هوية جديدة لهذا النص في لغة جديدة، ونحن عندما نكتب نصا فنحن نترجم أيضا، نترجم هذا النص وإن كنا نتوهم بأننا نكتب بلغتنا الأم. هناك نظرية تقول: ما من أحد يتحدث بلغته الأم، فما بالك بالكتابة التي هي مستوى مختلف من التعبير. إذاً هذا المستوى المختلف من التعبير هو بحد ذاته ترجمة، وحين تأتي وتترجم من لغة إلى أخرى فأنت تترجم الترجمة ذاتها. في الترجمة اعتقد بان النص يجد ذاتا جديدة كما وجدها في المرة الأولى في اللغة الأم. حينما أترجم لا أخون هذا النص بقدر ما اقترب من صورته الجديدة بلغة جديدة.

ماذا تقصد بقولك بان الكاتب حين يكتب نصا في لغته الأم فانه يترجم أيضا، هل تقصد ترجمة الأحاسيس، والمشاعر؟

* لا ليس الأمر كذلك. كل لغة تمثل سلطة، ويمكن هنا أن نتحدث عن رؤية البنيويين، فرولان بارت في بداية مشروعه البنيوي بحث عن شيفرات نحوية وقواعدية وصرفية هي التي تتحكم، بصورة أساسية، بالنص الأدبي وعندها أعلن عن «موت المؤلف». إذاً النص، كنص، هو محاولة للهروب من هذه السلطة الغاشمة التي هي سلطة اللغة. لماذا؟ لان هناك تاريخا هائلا ومرعبا من القواميس ومن النظريات ومن المفردات...هذا الكم الهائل، هذا الكائن المخيف هذا «العفريت اللغوي» هو الذي يمارس دائما سلطته عليك. فالنص هو محاولة بائسة لتقويض هذه السلطة. هل النص يعكس تاريخ اللغة وجوهرها وروحها؟ لا طبعا، بل هو محاولة متواضعة لمقاربة هامشية.

- هل تقصد أن كل نص هو محاولة لتقويض سلطة اللغة التي تتحدث عنها؟

* كل نص تأتأة. كل نص لا يفصح عن روح اللغة. أنا اتفق مع التفكيكيين إذ يركزون على علاقة الانزياح القائمة دائما في كل نطق أو تعبير أدبي. النص هو انزياح عن هذا التقليد الصارم، عن هذا «الكائن المرعب» الذي هو اللغة. لماذا نكتب بلغة تختلف عن تلك التي نتحدث بها، ليس ذلك في العربية فقط بل كذلك في الألمانية والإنكليزية...خذ مثلا جيمس جويس، هل كتب رواية «يوليسيس» بلغة الناس العاديين؟ ألم يكتب بلغة أخرى أو بمستوى لغوي آخر!! أين هي لغة الأم إذاً؟ اللغة هي مستويات، والنص الأدبي يشكل مستوى أعلى، وبالتالي هو شكل من أشكال الترجمة.

- ما هي المعايير التي تعتمدها في اختيار كتاب ما لترجمته؟

* ابحث في الترجمة عن متعة، إذ سأقضي وقتا طويلا مع هذا الكتاب، فإذا لم تتوفر المتعة ستكون الترجمة بمثابة عقوبة، ثم ان يكون الكتاب جديدا للقارئ، وكل الكتب التي ترجمتها أحببتها بعد قراءتها بلغتها الأصلية ومن ثم فكرت في ترجمتها.

- أنت تركز على مسألة الاستمتاع بالكتاب، لكنك ترجمت كتبا نقدية معقدة قد لا تمنحك تلك المتعة التي تتحدث عنها؟

* هناك من يتحدث عن متعة التعاطي مع الأفكار والنظريات النقدية الأدبية، فليس النص الإبداعي هو الذي يمنحك المتعة فحسب، بل كذلك القراءات النقدية المعقدة والهامة.

- أنت تتابع الإصدارات الشعرية الجديدة في العالم العربي وتكتب في الصحافة قراءات نقدية حولها، وهذا يدفعنا إلى السؤال عن رؤيتك للمشهد الشعري في الخليج العربي؟

* لم اطلع على تجارب شعرية كثيرة برزت في منطقة الخليج، ولكن هناك أسماء متداولة ومعروفة في الصحافة الأدبية، وأنا قرأت وكتبت مراجعات نقدية لدواوين شعرية صدرت لشعراء من الخليج العربي، ويسعدني ان أقول بان الزملاء في الخليج أصبحوا يتلمسون، بزخم قوي وملفت، مواضيع جديدة كل الجدة، ومرد ذلك معايشتهم لخط الحداثة ليس فقط على الصعيد التكنولوجي بل ان معظم كتاب الخليج يتقن اللغات الأجنبية، ومعظمهم يقرأ بها، وهذا يخدم كثيرا تجربة الكاتب. ربما كان الثقل الشعري، في السابق، يتركز في بلاد الشام والعراق، ولكن اعتقد ان المركز الشعري الشامي - إذا جاز التعبير بدأ يتعرض للخلخلة وأجد ان مستقبل القصيدة العربية كامن في منطقة الخليج العربي.

- تقصد ان شبه الجزيرة العربية سيعود مركزا للشعر العربي كما كان في الماضي البعيد؟

* ربما يعود إلى سابق مجده مثلما كان في الجاهلية وفي بدايات ظهور الإسلام، فثمة تجارب شعرية رائعة هناك ولكن مع الأسف هناك دائما أزمة تواصل، فنحن لا نقرأ كل ما تنشره دور النشر في البلدان العربية، ولكن من خلال التجارب التي اطلعت عليها وجدت ان هناك نصوصا عالية المستوى في منطقة الخليج العربي، ويحضرني الآن أسماء مثل: عبدالله الريامي، محمد الحارثي، علي الحازمي، زاهر الغافري، عبد الله سفر...وغيرها من الأسماء، إلى جانب أسماء مشهورة جدا مثل: قاسم حداد، سيف الرحبي، فوزية السندي...الخ.

هل تعتقد أن النقد في العالم العربي يواكب الإبداع؟

* لا، هناك فجوة رهيبة بين النص الإبداعي وبين النص النقدي، وأنا اعتقد ان من الأزمات المرعبة التي يعانيها العالم العربي هو غياب النقد الذي يواكب التجارب الجديدة. النقد، مع الأسف، ينحصر في مراجعات صحفية سريعة وبدأنا نفتقد النقد المتخصص الذي يتسلح بنظريات نقدية بعيدا من الارتجال الشخصي والانطباعات الذاتية العابرة. النقد مصاب بوهن وعجز وشلل فظيع، وإذا سألتك الآن عن أسماء بعض النقاد العرب فلا تستطيع ان تحصي سوى خمسة أو ستة نقاد وهذا لا يكفي في عالمنا العربي، حيث آلاف الشعراء والروائيين والكتاب، ناهيك عن ان النقد انشغل بترجمة وإعادة إنتاج النظريات التي ربما ماتت في الغرب منذ عقود، فهو مستلب لصالح نظريات غربية ويريد تطبيقها على النص بشكل تعسفي دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية النص العربي. أنا لا أقول ان النص العربي مختلف ومتفرد ومعزول عن البيئة الإبداعية العالمية، ولكن أيضا لا يمكنك ان تأتي بنظرية غربية جاهزة وتقرأ من خلالها نصا عربيا دون مراعاة لخصوصيته. النقد، باختصار، شبه غائب في عالمنا العربي.

ابو خلوف
04-29-2008, 05:53 PM
الله يجزاك خير على النقل

منى00
04-30-2008, 02:21 AM
يسلمو اخوي على النقل المتميز

علاء
05-01-2008, 12:12 PM
يعطيك العافية

مشاعر شامخة
05-19-2008, 03:17 AM
ينطيك العافية

إزعآج الصمت
09-29-2008, 06:30 PM
أتـحـدىـآ اللي فوقي كلهم ..


اذا قروآ الموضوع كآمـــل ..


مو مشكور ع الموضوع ..


لأني ما قريت إلا كلمــه وحدهـ ..


ونقــل سيء للغآيــــه ؟.}؛×